مازن نشأت محمود
يتناول هذا البحث ضرورة تحديث التشريعات القانونية لمواكبة التطور الرقمي والمعلوماتي السريع الذي يشهده العالم، لا سيما في مجال التعاقدات الإلكترونية. ففي ظل تزايد استخدام التكنولوجيا في جميع مجالات الحياة، أصبح اللجوء إلى المستندات الرقمية لتوثيق العقود والمعاملات الإلكترونية ضرورة ملحّة، مما دفع الفقه القانوني إلى وضع تعريفات متعددة للعقد الإلكتروني تراعي خصوصية وسائل إبرام هذا العقد عن طريق شبكة الإنترنت.
يستعرض البحث تعريف العقد الإلكتروني من وجهات نظر فقهية وتشريعية مختلفة؛ فقد عرفه بعض الفقهاء بأنه العقد القائم على تبادل الرسائل الإلكترونية بين البائع والمشتري والتي تؤسس لالتزامات تعاقدية، بينما اعتبره آخرون اتفاقاً يتم بين طرفين عبر شبكة دولية دون الحاجة للحضور المادي. كما تم استعراض التشريعات القانونية لمختلف الدول، مثل القانون الفرنسي الذي ينظم التعاقد عن بعد، وقانون التوقيع والمعاملات الإلكترونية العراقي، والنصوص المعمول بها في لبنان، مع الإشارة إلى أن التشريعات العربية تختلف في مدى تحديدها لمفهوم العقد الإلكتروني.
تركز الدراسة على أهمية التأكد من صحة الرضا وإثبات أهلية المتعاقدين لضمان صحة العقد الإلكتروني، حيث تختلف الإجراءات المتبعة في التحقق من صحة الإيجاب والقبول في المعاملات الإلكترونية مقارنةً بالعقود التقليدية الورقية. وقد تم تسليط الضوء على التحديات التي تفرضها الوسائل الرقمية، خاصة فيما يتعلق بتحديد زمان ومكان تلاقي الإرادتين، وهو ما يعد من الإشكاليات الجوهرية في تنظيم التعاقد الإلكتروني.
يعتمد البحث على المنهج التحليلي المقارن من خلال دراسة النصوص القانونية في التشريعات العراقية واللبنانية، واستنباط مفاهيم واضحة حول موضوع الأهلية وإبرام العقود الإلكترونية، بالإضافة إلى مقارنة النصوص القانونية الدولية التي تنظم مسألة تحديد زمان ومكان انعقاد العقد الإلكتروني. وقد تميز البحث بالتقسيم الثنائي الذي يعالج موضوع “مجلس العقد الإلكتروني” من جهة، و”زمان ومكان تلاقي الإرادتين في العقد الإلكتروني” من جهة أخرى، مستعرضاً الاتجاهات الفقهية المختلفة حول طبيعة هذه المسائل، سواء باعتبارها تعاقداً بين غائبين أو بين حاضرين.
وفي ضوء ما تقدم، يبرز البحث الحاجة الملحة لتعديل وتطوير النصوص القانونية لمواجهة خصوصيات التعاقد الإلكتروني، بما يضمن حماية حقوق الأطراف وتحقيق مستوى عالٍ من الأمان القانوني في ظل الثورة الرقمية المتسارعة.