الوظيفة القضائية للمحكمة الدولية لقانون البحار في فض المنازعات البحرية

مقدمة

في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا وازدياد الأنشطة البحرية عبر الحدود الوطنية، برزت الحاجة الملحة إلى إنشاء محكمة دولية متخصصة في قانون البحار لتسوية المنازعات البحرية. هذه الحاجة كانت ثمرة اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي أنشأت المحكمة الدولية لقانون البحار كآلية قضائية دولية فعالة لتسوية هذه المنازعات المتنامية.

قبل إنشاء هذه المحكمة، كان هناك نقص في الوسائل القضائية المتخصصة لحل النزاعات المتعلقة بالبحار والمحيطات. وقد جاءت المحكمة الدولية لقانون البحار لتسد هذه الفجوة، وتوفر منبرًا قضائيًا دوليًا متخصصًا في إصدار أحكام ملزمة بشأن المنازعات البحرية المعقدة.

إن دراسة تنظيم هذه المحكمة وتحديد اختصاصاتها القضائية والاستشارية، إضافة إلى طبيعة علاقتها بالأطراف المختلفة في النزاعات البحرية، تكتسب أهمية كبيرة في ظل التطورات المتسارعة في مجال قانون البحار والأنشطة البحرية الدولية.

أهمية البحث

تكمن أهمية هذا البحث في التعرف على طبيعة هذه المحكمة ودورها في تسوية المنازعات البحرية، من خلال دراسة تشكيلها وتحديد اختصاصاتها القضائية والاستشارية. كما يبرز أهمية البحث في إبراز العلاقة بين المحكمة والأطراف المختلفة في النزاعات البحرية، والآليات التي تتبعها المحكمة في ممارسة مهامها.

إشكالية البحث:

يسعى هذا البحث إلى الإجابة على التساؤلات التالية: ما هي طبيعة المحكمة الدولية لقانون البحار وما هو تشكيلها؟ ما هي اختصاصات هذه المحكمة القضائية والاستشارية؟ وما هي طبيعة العلاقة بين المحكمة والأطراف المختلفة في النزاعات البحرية؟

منهجية البحث:

سيتم اعتماد المنهج الوصفي التحليلي في هذا البحث، من خلال دراسة النصوص القانونية الواردة في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والنظام الأساسي للمحكمة الدولية لقانون البحار. كما سيتم الاستعانة بآراء الفقه القانوني ذات الصلة بموضوع البحث.

هيكلية البحث:

سينقسم هذا البحث إلى مبحثين رئيسيين: الأول سيتناول تنظيم المحكمة الدولية لقانون البحار، من حيث تشكيلها وتكوينها. أما المبحث الثاني فسيركز على اختصاصات هذه المحكمة القضائية والاستشارية، إضافة إلى دراسة العلاقة بين المحكمة والأطراف المختلفة في النزاعات البحرية.

المبحث الأول
 تنظيم المحكمة

انبثقت عن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982 إحدى أهم الوسائل القضائية الدولية، ألا وهي المحكمة الدولية لقانون البحار([1])، حيث ورد في المرفق السادس من النظام الأساسي للمحكمة الدولية لقانون البحار، ما يلي([2]):

1-  تنشأ المحكمة الدولية لقانون البحار وتعمل وفقاً لأحكام هذه الاتفاقية وهذا النظام الأساسي.

2-  يكون مقر المحكمة في مدينة هامبورغ الحرة التحالفية، في جمهورية ألمانيا الاتحادية.

3-  للمحكمة أن تعقد جلساتها وتمارس أعمالها في مكان آخر كلما رأت ذلك مناسباً.

4-  تخضع إحالة أي نزاع إلى المحكمة للجزئين الحادي عشر والخامس عشر”.

        وتعمل هذه المحكمة وفقاً لأحكام الاتفاقية الدولية لقانون البحار للعام 1982 والنظام الأساسي للمحكمة، وفقاً للفقرة الأولى للمادة الأولى من النظام الأساسي للمحكمة، ويكون مقرها مدينة هامبورغ – جمهورية ألمانيا الاتحادية وفقاً للفقرة (1) للمادة الأولى من المرفق السادس، ولها أن تعقد جلساتها وتمارس أعمالها في مكان آخر إذا رأت ذلك مناسباً([3]). ورغم أن الأصل أن تعقد المحكمة كل جلساتها في مقر المحكمة بهامبورغ ، ألمانيا ، إلا أنه طبقا للمادة 1.3 من نظامها الأساسي ، يمكن لها أن تعقد جلساتها في مكان آخر كلما اقتضى الحال وكان ذلك مناسبا.

المطلب الأول: تشكيل المحكمة

 تجلس المحكمة بكامل هيئاتها المكونة من 21 قاضيا عند نظرها في قضية ما ، يتم اختيارهم من بين الأشخاص الذي يتمتعون بشهرة كبيرة في الأنصاف والنزاهة والكفاءة المعترف بها في مجال قانون البحار([4]). وويعتبر تشكيل المحكمة المتضمن التوزيع الجغرافي العادل ، وبتمثيل النظم القانونية الرئيسية في العالم تكريسا لمنطق قوة القانون ، بحيث أصبح للدول النامية وزنا إضافيا وأضحى تكوين المحكمة أكثر تمثيلا للمجتمع الدولي ، مقارنة بمحكمة العدل الدولية. وأهم واجبات القضاة ، استعدادهم الدائم لممارسة أعمالهم والزامهم بالنزاهة والحياد والاستقلال ، وعدم المشاركة في عمليات استغلال أو استكشاف ثروات المنطقة الدولية والاقتناع عند القيام بدور الوكيل والمستشار أو المحامي في القضايا المعروضة على المحكمة ، وكذا الامتناع عن الاشتراك في الفصل في أية قضية سبق له التدخل فيها([5]).وينتخب أعضاء المحكمة لمدة تسع سنوات ، ويجوز إعادة انتخابهم حسب الشروط المحددة في القانون الأساسي .

إن الهدف من وراء طول المدة ، الاستفادة من الخبرات القانونية التي يكتسبها القاضي من خلال الممارسة في الميدان ، وهذا واضح من خلال نظام الإنتخاب الذي به تحتفظ المحكمة بقضاة لهم تجربة ، تفاديا لتغيير جميع القضاة مرة واحدة ، بحيث يجب أن تنتهي ولاية سبعة من القضاة الذين تم اختيارهم في أول انتخاب ، بعد مرور ثلاث سنوات بينما تنتهي ولاية سبعة آخرين بعد مرور ستة أعوام.

 وإذا انتهت عضوية أحد أعضاء المحكمة قبل انتهاء مدة ولايته بسبب ظرفا ما ، كالوفاة أو الاستقالة ، فإن العضو المنتخب يخلفه ويكمل مدة سلفه فقط.

يتمتع أعضاء المحكمة بالحصانات والامتيازات أثناء ممارستهم لوظيفتهم وينتخبون أعضاء المحكمة في أول جلسة رئيسا ونائبا لمدة ثلاث سنوات وتعين المحكمة أمينا لإدارة المحكمة، وتتخذ المحكمة قراراتها بأغلبية الأعضاء الحاضرين([6]) ، وتعد قراراتها قطعية وملزمة، وتستعين المحكمة في إدارة شؤونها بغرف يتم إنشاؤها لهذا الغرض . ويمكن للمحكمة وفي إطار أداء مهامها ، أن تقوم طبقا لنظامها الأساسي بإنشاء غرفة خاصة دائمة ومؤقتة .

 تبنى النظام الأساسي للمحكمة إنشاء غرفة خاصة دائمة ومؤقتة ، وهذه الغرف ليست بديلا عن المحكمة بقدر ما هي تابعة للمحكمة نفسها ، إنما يستدعي تشكيلها مراعاة لمسائل تتعلق بحسن سير العمل والسرعة ، وكذا التخصص([7]) .

أوجدت الغرف الخاصة ، لتتعامل مع أنواع محددة من المنازعات البحرية ، ويلاحظ أن كل غرفة منها استمدت اسمها من نوع المنازعات التي تفصل فيها .

وقد كونت المحكمة منذ بداية عملها إلى الآن خمسة غرف دائمة وهي ، غرفة الإجراءات الموجزة ، غرفة مصائد الأسماك ، غرفة ترسيم الحدود البحرية ، غرفة تسوية المنازعات المتعلقة بالبيئة البحرية ، وغرفة منازعات قاع البحار

1- غرفة منازعات مصائد الأسماك:

 تتكون من سبعة قضاة ، ويكون الحد الأدنى لتشكل الغرفة هو خمسة أعضاء لصحة القرارات الصادرة عنها ، ويراعي في إختيارهم التوزيع الجغرافي العادل وممن يشهد منهم بالتميز في مجال قانون البحار ، وينتخبون لمدة ثلاث سنوات . تعمل الغرفة على تفسير أو تطبيق إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ، أو أي إتفاقية أخرى تمنح للمحكمة الإختصاص بشأن المنازعات المتعلقة بحفظ وإدارة الموارد البحرية الحية والتي تتفق الأطراف على عرضها على هذه الغرفة ، كما هو الحال بالنسبة لاتفاقية 1995 حول الأسماك المتنقلة بين أعالي البحار والمناطق الاقتصادية ( الأسماك الكثيرة الترحال ) ، وكذا إتفاقية 04 سبتمبر 2000 حول المحافظة على مصائد الأسماك وإدارتها في منطقتي المحيط الهادي الغربي والأوسط ، والتي اختارت حلول اتفاقية قانون البحار لعام 1982([8]).

2- غرفة الإجراءات الموجزة أو المختصرة:

تشكل المحكمة سنويا غرفة تتكون من رئيس المحكمة ونائبه بحكم القانون ، بالإضافة إلى ثلاث أعضاء منتخبين بهدف الإسراع في تصريف أعمال المحكمة ، ولا تكون قرارات الغرفة صحيحة إلا بحضور ثلاثة على الأقل من أعضائها الخمسة .

3- غرفة منازعات البيئة البحرية:

 تتكون هذه الغرفة من سبعة قضاة يمثلون التوزيع الجغرافي العادل وممن يتميزون في مجال اختصاصهم ، ويتم انتخابهم لمدة ثلاث سنوات . وتفصل الغرفة في المنازعات التي تتصل بحماية وحفظ البيئة البحرية والمتعلقة بتفسير أو تطبيق الاتفاقية ، أو أي اتفاق أخرى منح المحكمة اختصاص بنظر النزاع .

 وكذلك الاتفاقيات الخاصة المتعلقة بحماية البيئة والمحافظة عليها ، استنادا للمادة 237 من الاتفاقية التي تشير إلى تبنيها للالتزامات المحددة التي تتحملها الدول بموجب الاتفاقيات الدولية ، والاتفاقات الخاصة المبرمة في وقت سابق ، والتي تتصل بحماية البيئة البحرية والحفاظ عليها، أو بالاتفاقات التي قد تبرم تعزيزا للمبادئ العامة التي تضمنتها اتفاقية قانون البحار.

4- غرفة منازعات قاع البحار:

وهي الغرفة الأكثر أهمية من حيث أهمية النزاعات الناجمة عن استغلال الثروات المعدنية بقاع البحار ، وخاصة وأن علمنا أن أهم عوامل انعقاد المؤتمر الثالث حول قانون البحار هو الاكتشاف التكنولوجي للثروات المعدنية الموجودة به. وكذلك لأن الاتفاقية وكذا النظام الأساسي للمحكمة أولتا اهتماما خاصا لغرفة تسوية منازعات قاع البحار ، فإننا حرصنا على تناولها بالتفصيل من مختلف جوانبها في إطار حديثنا عن تسوية المنازعات المتعلقة بالأنشطة في المنطقة الدولية لاحقا.

5- غرفة منازعات تعيين الحدود البحرية:

 تتكون الغرفة من عشرة قضاة ، والحد الأقصى لاكتمال النصاب لنظر الدعوى هو ستة أعضاء ينتخبون لمدة ثلاث سنوات ، والغرفة خاصة لمعالجة المنازعات بشأن تعيين الحدود البحرية ، والتي هي من أكثر المنازعات شيوعا ، والتي تتفق الأطراف على إحالتها إليها من أجل تفسير أو تطبيق أحكام الاتفاقية ، أو أحكام اتفاق آخر يمنح للمحكمة اختصاص النظر فيه .

وتشكل الغرفة من طرف المحكمة ، وتبت في تكوين تلك الغرفة بموافقة الأطراف إلا أن سلطة الأطراف لا تتعدى إبداء الرأي حول عدد القضاة المشكلين للغرفة ، وهذا استنادا لمقتضيات المادة 15 . 2 من النظام الأساسي للمحكمة. كما أن المحكمة لا تملك سلطة تقديرية فيما يتعلق بإنشاء هذا النوع من الغرف الخاصة . وتجدر الإشارة إلى أن أحكام النظام الأساسي للمحكمة ولائحتها لم تحدد عدد أعضاء الغرف الخاصة المؤقتة ، ويبدو أنه أمر متروك للسلطة التقديرية للمحكمة بالاتفاق مع أطراف النزاع في هذا الشأن([9]) .

والقاعدة ، أن رئيس المحكمة هو الذي يتولى مهام رئاسة الغرفة المؤقتة إن تم اختياره عضوا بها وقت إنشائها ، وهذا أمر منطقي مجاراة لقاعدة أن ” من يملك الكل ، يملك الجزء ” إن صح التعبير ، أما إن تم اختياره بعد بدء العمل ، فهنا يختلف الأمر بحيث يستمر العضو الذي تم انتخابه رئيسا في مهامه كرئيس لها خلال مدة عضويته بها، ويبقى رئيس المحكمة ، محتفظا بحقه باتخاذ ما يلزم من التدابير والإجراءات ، لضمان تطبيق نظام القاضي الخاص على تشكيل الغرف الخاصة المؤقتة. 

المطلب الثاني: المركز القانوني لمحكمة قانون البحار

 تكمن أهمية تحديد المركز القانوني للمحكمة ، في معرفة مدى تمتعها بالشخصية القانونية الدولية؟ ومدى اعتبار علاقات المحكمة مع الأشخاص الدولية ، علاقات دولية ؟ وخاصة وأنها ومنذ بدأ عملها وهي تدخل في علاقات مع أشخاص القانون الدولي . ([10])

 إن طرح مثل هذا التساؤل مشروع ، بحيث أنه سبق و أن طرح من قبل حول مدى تمتع المنظمة منظمة الأمم المتحدة نفسها ، عندما إختلف الفقه حول مسألة بالشخصية القانونية ؟ .

غير أن القضاء قد حسم هذا الاختلاف باعترافه صراحة بتمتع المنظمات الدولية بالشخصية القانونية ، إذ جاء في الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر عام 1949 بشأن التعويضات عن الأضرار التي تلحق موظفي المنظمة([11])  .

والجواب عن التساؤل يستدعي معرفة ما إذا كانت المحكمة جهازا قضائيا دوليا مستقلا ؟ ( أولا) وعلاقة المحكمة مع بعض أشخاص القانون الدولي العام ( ثانيا ) .

1- المحكمة كجهاز قضائي دولي مستقل:

يتبين من خلال النظام الأساسي للمحكمة الدولية لقانون البحار بالمرفق السادس ، أنها جهاز قضائي مستقل عن السلطة الدولية لقاع البحار . ولا يوجد ما يثبت تبعيتها لمنظمة الأمم المتحدة ، على خلاف ما هو الحال بالنسبة لمحكمة العدل الدولية التي تعتبر الجهاز للمنظمة القضائي التابع([12]) ويميل الفقه  إلى منح المحكمة الدولية لقانون البحار الشخصية القانونية الدولية بوضعها جهازا قضائيا دوليا مستقلا ، مستندا في ذلك إلى :

أ . الواقع العملي المؤيد لوجهة نظره ، حيث تدخل المحكمة في علاقات مع أشخاص القانون الدولي العام على إعتبار أنها جهاز قضائي مستقل ، حيث تخضع العلاقة بين المحكمة ومنظمة الأمم المتحدة لمقتضيات المادة الأولى من إتفاق التعاون المبرم بينهما في 18 . 12 . 1997 ، وتعترف منظمة الأمم المتحدة بأن المحكمة جهاز قضائي دولي مستقل يتمتع بإختصاصات منصوص عليها في الاتفاقية والنظام الأساسي .

 ب من خلال مقارنة ما نصت عليه المادة الرابعة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية من تمتع هذه المحكمة بالشخصية القانونية الدولية والأهلية القانونية اللازمة لممارسة وظائفها وتحقيق أهدافها . ليخلص نفس الفقه إلى النتيجة المتمثلة في كون المحكمة الدولية لقانون البحار تتمتع شأنها شأن المحكمة الجنائية الدولية بالشخصية القانونية ، لاشتراك المحكمتين في عدم التبعية لأي منظمة دولية

2- علاقة المحكمة مع بعض أشخاص القانون الدولي العام:

 لعل علاقة المحكمة مع بعض أشخاص القانون الدولي العام تؤكد مدى تمتع المحكمة بالشخصية القانونية الدولية المشكلة .

أ- علاقة المحكمة بمنظمة الأمم المتحدة:

        تم إبرام اتفاقية التعاون المبرمة بين الطرفين المبرمة سنة 1997 والتي دخل حيز النفاذ في 8/12/1998، وقد بينت بما لا يدع مجالا للشك ديباجة الإتفاقية العلاقة بينهما ومدى ترابط أهداف كل منها ، و أن التنسيق والتعاون هو محور العلاقة الثنائية تفاديا لمشكل تنازع الاختصاص. فمنظمة الأمم المتحدة من خلال قيامها بدورها في حفظ السلم والأمن الدوليين بالوسائل السلمية ، والمحكمة في إطار مهمتها القضائية في تسوية المنازعات ، تعتبر إحدى الوسائل السلمية التي تستطيع منظمة الأمم المتحدة من خلالها تحقيق أهدافها في تسوية المنازعات بالطرق السلمية .

 وقد اعترفت الأمم المتحدة بأن المحكمة الدولية هي جهاز قضائي دولي مستقل ، ومنحت لها صفة مراقب لدى الأمم المتحدة. نتيجة لهذه الصفة ، فقد تشارك في الاجتماعات والمؤتمرات التي تنظم تحت رعايتها وتناقش مسائل تخص المحكمة ، كما يستطيع الأمين العام للأمم المتحدة ، أو من يمثله حضور جلسات المحكمة ، وكذلك جلسات غرفة تسوية منازعات قاع البحار التي تنصب على موضوعات ذات اهتمام مشترك.

 هذا التنسيق والتعاون كما ذكرنا ، من أجل تفادي تنازع الاختصاص بين المحكمة والمنظمة ، والذي قد يحدث من الناحية العملية في حالتين أساسيتين :

– حالة رفع دعوى من قبل ذات المتنازعين أمام نفس الجهات القضائية ، أي بين محكمة العدل الدولية كجهاز تابع للأمم المتحدة ومحكمة قانون البحار .

– حالة عرض نزاع ما في نفس الوقت على المحكمة و على مجلس الأمن ولحل مسألة تنازع الاختصاص بين المحكمتين ، تؤخذ بعين الاعتبار رغبة الأطراف المتنازعة في عرض النزاع على أي من المحكمتين ، بالإضافة طبيعة النزاع ذاته . تتجلى خطورة عدم التنسيق بين المحكمتين في حالة نظرهما لنزاعين متشابهين في الموضوع ، ومختلفين من حيث الأطراف المتنازعة ، إذا أصدرت كل واحدة منها حكما مخالفا للآخر ، أي حدوث تناقض في الأحكام ؟

 أما في حالة تنازع الاختصاص بين المحكمة الدولية لقانون البحار ، والجمعية العامة أو مجلس الأمن ، وهو أمر قد يحدث في نزاع يحتمل الطابعين السياسي والقانوني ؟

 فإن الفقرة ب من المادة الخامسة من اتفاقية التعاون المذكورة ، تتيح للمحكمة الدولية لقانون البحار إخطار الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة إن رأت أن النزاع له جوانب سياسية تدخل في اختصاص مجلس الأمن([13]).

 ب- علاقة المحكمة بمنظمة السلطة الدولية لقاع البحار:

        تضمن الفرع الخامس من الجزء الحادي عشر من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على القواعد التي تنظم عمل السلطة الدولية . وقد نصت المادة 157 من اتفاقية قانون البحار واصفة السلطة الدولية ” بأنها المنظمة التي تقوم الدول الأطراف من خلالها بتنظيم ومراقبة الأنشطة في المنطقة ، بصورة خاصة بغية إدارة موارد المنطقة ” ، ومحكمة قانون البحار ليست جهازا تابعا للسلطة ، ولم تحدد الاتفاقية كيفية تنظيم العلاقة بينهما ، ولم يتم إبرام اتفاق بين المحكمة والسلطة . وتعود أسباب عدم إبرام اتفاق بينهما لما يلي:

 – أن الأحكام الواردة في الاتفاقية تكفي وحدها لتحديد طبيعة العلاقة بينهما دون حاجة إلى إبرام اتفاق.

– الرغبة في ضمان استقلال المحكمة وعدم خضوعها لأي ضغط .

 – أن أصل علاقتهما لا تخرج عن نطاقها الإداري البحت.

إلا أنه تجدر الإشارة ، وفيما يخص مسألة استغلال المنطقة الدولية الذي تشرف عليه السلطة الدولية ، نجد أن لهذه الأخيرة علاقة بغرفة منازعات قاع البحار ، وهي تتم من خلال المحكمة الدولية لقانون البحار لعدم تمتع الغرفة بالشخصية المعنوية . وتقتصر العلاقات على إمكانية تقديم السلطة لتوصيات عند تشكيل الغرفة أو أن السلطة طالبة لرأي استشاري من الغرفة .

 كما تجدر الإشارة أيضا ، أن منظمة الأمم المتحدة أبرمت اتفاقا مع السلطة الدولية بتاريخ 1997.03.14 ، يتكون من 18 مادة ، تعترف فيه المنظمة ، بالسلطة الدولية بوصفها الجهاز الذي تقوم الدول الأطراف في الاتفاقية عن طريقه بتنظيم و مراقبة الأنشطة في قاع البحار والمحيطات وباطن أراضها الواقعة خارج حدود الولاية الوطنية لأية دولة . وتتعهد الأمم المتحدة بإجراء أنشطتها بطريقة تعزز النظام القانوني للبحار، وتتعهد السلطة في المقابل بأن تقوم بأنشطتها وفقا لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه ، من أجل تعزيز السلم والتعاون الدولي ، و بما يتماشى مع سياسات الأمم المتحدة لتعزيز هذه المقاصد والمبادئ.

ومن أجل ذلك يتم التعاون والتشاور و التنسيق بين الطرفين لتفادي الازدواج بين الأنشطة ، وكذلك الأمر مع مجلس الأمن ، وهذا بالاستناد للمواد 3 و 4 من ” اتفاق بشأن التعاون بين الأمم المتحدة و السلطة الدولية ” المذكور أعلاه.

المبحث الثاني
اختصاص المحكمة الدولية لقانون البحار

 يتبين من خلال الاتفاقية ، والنظام الأساسي للمحكمة الدولية لقانون البحار ، أن مهمتها الأولى تتعلق بالفصل في المنازعات التي تتعلق بتفسير ، أو تطبيق الاتفاق . وتمارس المحكمة نوعان من الاختصاصات اختصاص قضائي ، وذلك بالتصدي للقضايا التي تعرض عليها ، وفقا للأوضاع القانونية والفصل فيها ، إلى جانب اختصاصها الاستشاري المتمثل في إبداء الرأي في المسائل المطروحة عليها ، وهو ما نحاول التطرق إليه فيما يلي، بالإضافة إلى إجراء مقارنة بينها وبين محكمة العدل الدولية لما في ذلك من أهمية.

المطلب الأول: الاختصاص القضائي

قسم الاختصاص القضائي إلى قسمين ، الاختصاص الشخصي، وذلك من خلال الكيانات التي يحق لها التقاضي أمام المحكمة ، والاختصاص الموضوعي ، ويتمحور حول نوع النزاع الذي تختص المحكمة للفصل فيه .

 1- بالنسبة للاختصاص الشخصي:

 يقصد به تعيين الأشخاص القانونيين الذين لهم حق التقاضي أمام المحكمة إما للفصل في نزاع معين ، أو بطلب فتوى منها بشأن بعض المسائل القانونية([14]) .

من خلال أحكام الاتفاقية نجد أنها فتحت الأبواب للمثول أمام القضاء لكل الدول والكيانات الأخرى من غير الدول ، والتي هي الأقاليم المتمتعة بالحكم الذاتي التي يكون لها اختصاص في المسائل التي تنظمها الاتفاقية ، إلى جانب المنظمات الدولية ، وهكذا نجد أن الاتفاقية وضعت لمسة جديدة في النظام الدولي بإعطاء غير الدول حق المثول أمام القضاء .

إما بصفتها مدعية أو مدعى عليها ، وهو أمر غير مألوف بالنسبة لما جرى عليه العمل في محكمة العدل الدولية والتي لا تقبل بغير الدول كأطراف في الخصومة . ويمكن القول أن الأشخاص الذين يحق لهم اللجوء إلى المحكمة الدولية لقانون البحار تشمل ما يلي :

أ- الدول التي قبلت الالتزام بهذه الاتفاقية، والتي تكون هذه الاتفاقية نافذة بالنسبة لها ، بالإضافة إلى الكيانات الأخرى والمتمثلة في جميع الدول المتمتعة بالحكم الذاتي والمرتبطة التي اختارت هذا المركز بفعل تقرير المصير تحت إشراف الأمم المتحدة بموافقتها ، وفقا لقرار الجمعية العامة 1514 ( د -15 ) ، والتي لها اختصاص في المسائل التي تخضع لهذه الاتفاقية، بما في ذلك إختصاص الدخول في معاهدات بصدد تلك المسائل . والدول المتمتعة بالحكم الذاتي والمرتبطة التي يكون لها ، وفقا لصكوك ارتباطها ، اختصاص في المسائل التي تخضع لهذه الاتفاقية بما في ذلك اختصاص الدخول في معاهدات بصدد تلك المسائل . والأقاليم التي تتمتع بالحكم الذاتي الداخلي التام ، وتعترف لها الأمم المتحدة بهذه الصفة ، ولكنها لم تحصل على استقلالها التام وفق قرار الجمعية العامة 1514 ( د -15 ) ، والتي لها اختصاص في المسائل التي تخضع لهذه الاتفاقية ، بما في ذلك اختصاص الدخول في معاهدات بصدد تلك المسائل والمنظمات الدولية([15])، وهنا كذلك بشرط أن تكون الدول الأعضاء في المنظمة الدولية قد نقلو لها اختصاص في مسائل تخضع لهذه الاتفاقية ، بما في ذلك اختصاص الدخول في معاهدات بعد تلك المسائل ، وأن تكون أغلبية الدول الأعضاء بالمنظمة وقعوا على الاتفاقية أو صدقوا عليها([16]) .

 تكون المنظمة الدولية ، عند إيداع وثيقة تثبيتها الرسمي أو انضمامها ، أو في أي وقت بعد ذلك ، حرة في أن تختار ، بواسطة تصريح كتابي ، واحدة أو أكثر من وسائل تسوية المنازعات المتعلقة بتفسير هذه الاتفاقية أو تطبيقها المشار إليها في الفقرة 1 الفرع أ أوج أو د من الفقرة من المادة 287([17]) ، باستثناء محكمة العدل الدولية لأن اختصاصها مرتبط بالدول فقط كما رأينا .

 ب- الكيانات من غير الدول الأطراف التي يحق لها اللجوء إلى المحكمة حيث يمكن للكيانات الأخرى من غير الدول اللجوء إلى المحكمة ، في أي قضية من القضايا المتعلقة بالأنشطة في المنطقة الدولية وفقا لمقتضيات الجزء الحادي عشر من الاتفاقية أو في أي قضية تحال إلى المحكمة وفقا لاتفاق آخر بين الأطراف يمنحها صراحة هذا الاختصاص .

توجد عدة اتفاقيات لهذا الغرض تمنح الاختصاص للمحكمة الدولية لقانون البحار منها :

 – الاتفاقية المتعلقة بالمحافظة وإدارة مخزونات الأسماك التي تنتقل داخل المناطق الاقتصادية.

– بروتوكول 1996 للاتفاقية حول الوقاية من تلوث البحار عن طريق طفو النفايات .

– اتفاقية تتعلق بالمحافظة على الموارد البيولوجية في أعالي البحار .

– اتفاقية متعلقة بحماية التراث الثقافي تحت البحار 2001 . وبالتالي تكون للكيانات الأخرى غير الدول الأطراف حق التقاضي أمام المحكمة ، ولكن في قضايا محددة سلفا في الاتفاقية.

2- بالنسبة للاختصاص الموضوعي:

 أكدت المادة 22 من النظام الأساسي للمحكمة الدولية لقانون البحار على أن ” اختصاص المحكمة يشمل جميع المنازعات والطلبات المعروضة عليها وفقا لهذه الاتفاقية ، وجميع المسائل المنصوص عليها تحديدا في أي اتفاق يمنح الاختصاص للمحكمة ” . تختص المحكمة للنظر في المنازعات المتعلقة بتطبيق أو تفسير الاتفاقية ، إذا ما توافر شرطان أساسيان وهما :

 أ- عدم وجود التزام يقضي باللجوء إلى وسيلة قضائية أخرى لتسوية النزاع

ب- ضرورة استنفاذ الطرق القانونية الداخلية وفقا لما يقضي به القانون الدول .

بالنسبة لشروط عدم وجود التزام يقضي باللجوء إلى وسيلة قضائية أخرى لتسوية النزاع .

وهذا معناه صراحة ، إن اتفق الأطراف على اتخاذ إجراءات معينة فيما يخص تسوية المنازعات المتعلقة بتطبيق أو تفسير الاتفاقية ، فتكون الأولوية للوسائل التي يختارها المتنازعون على وسائل التسوية التي نصت عليها الاتفاقية ذاتها والمنصوص عليها في المادة 287 من الاتفاقية ، بشرط أن تقود هذه الوسائل الخاصة إلى حلول ملزمة للنزاع ، ويمكن لهذه الأطراف أن تتراجع وتلغي الاتفاق ، والعودة لتطبيق مقتضيات المادة 287 من الاتفاقية.

اما بالنسبة لضرورة استنفاذ الطرق القانونية الداخلية، استنادا للمادة 295 من الاتفاقية فإنه لا يجوز اللجوء إلى القضاء الدولي ، إلا بعد المرور من القضاء الداخلي لأطراف النزاع ، وباستخدام كل جميع مراحل الدعوى القضائية ، والغاية المبتغاة من وراء ذلك ، ” إعطاء فرصة الحل الداخلي للسلطات التي ينسب إليها المسؤولية عن النزاع ، وتصفيته عند المنبع وتحل المشكلة من جذورها “.

 وإن كان من الفقه من يرى بوجوب تطبيق قاعدة ضرورة استنفاذ طرق الطعن الداخلية دون الحاجة إلى نص اتفاقي لكونها استقرت في القانون الدولي العرفي ، مستندا في ذلك إلى أن محكمة العدل الدولية قد أشارت إلى ذلك في قضية ” إنترهاندل ” ( Interhandel ) بتاريخ 21.01.1959 ، بين سويسرا و الولايات المتحدة الأمريكية.

 كذلك قررت محكمة العدل الدولية بخصوص استنفاذ طرق الطعن الداخلية ، أنه يكفي لقبول الطلب أن يكون جوهر الادعاء قد تم طرحه أمام المحاكم المختصة دون أي نجاح.

 وتجدر الإشارة إلى أن هذه القاعدة ، كانت محل جدل في المؤتمر الثالث لقانون البحار من حيث إدراجها في الاتفاقية من عدمه ، ليتم إقرارها في نهاية المطاف في الاتفاقية مع محاولة منحها الصياغة التي تجعلها تنطبق فقط على المنازعات التي تكون من حيث نشأتها مؤسسة على حماية مصلحة خاصة.

فإذا ما توفر الشرطان المذكوران سلفا ، يكون اختصاص المحكمة كما ذكرنا طبقا للماد 22 من نظامها الأساسي ، يشمل جميع المنازعات والطلبات المعروضة عليها ، وجميع المسائل المنصوص عليها تحديدا في أي اتفاق آخر يمنحها الاختصاص . وبصفة عامة المنازعات التي عددتها المادة 297 من الاتفاقية والمتعلقة بممارسة دولة ساحلية لحقوقها السيادية أو ولايتها المنصوص عليها في هذه الاتفاقية.

هذا مع إمكانية الدول القيام باستثناء بعض المنازعات من ولاية المحكمة طبقا للمادة 298 والمتعلقة بتعيين الحدود البحرية ، وكذلك المنازعات المتعلقة بالأنشطة العسكرية ، إلى جانب المنازعات التي يمارس بشأنها مجلس الأمن وظائفه التي خصه بها ميثاق الأمم المتحدة ، وهي المنازعات التي سبق لنا التطرق إليها في الفصل الأول ، عند تناولنا أحكام واجراءات تسوية المنازعات البحرية .

 وتطبق المحكمة عند فصلها في النزاع أحكام الاتفاقية ، وقواعد القانون الدولي الأخرى غير المتنافية معها ، إلى جانب إمكانية تطبيق مبادئ العدل والإنصاف على النزاع المعروض عليها إذا اتفق أطراف الخصومة على ذلك([18]) ، رغم ما قد يثيره تطبيق هذه المبادئ من تساؤلات ، رغم أن القصد منها ” دعوة المحكمة إلى الفصل في النزاع طبقا لما يوحى به العقل وحكمة التشريع في ظل ظروف زمانية ومكانية معينة ، أو وفقا للمبادئ السامية “([19]) .

المطلب الثاني: الاختصاص الاستشاري واتخاذ التدابير

اولاً: الاختصاص الاستشاري

 لا يوجد بالاتفاقية ما يوحي اختصاص المحكمة و بكامل هيئتها ، بإبداء آراء استشارية وكذلك الأمر بالنسبة للنظام الأساسي للمحكمة ذاتها ، وهذا لاعتقاد الفقه برغبة واضعي الاتفاقية بعدم إثقال كاهل المحكمة المكونة من 21 قاضيا بعبء القيام باستشارات قانونية إلى جانب عبئها المتمثل في الفصل في قضايا البحار المتشعبة .

 وإن كان هذا لا يمنع من قيامهم بهذا الإجراء طبقا للمادة 138 من لائحة المحكمة والذي يجيز للمحكمة إبداء مثل هذه الآراء ، بشرط أن يتم ذلك طبقا لنص اتفاق دولي يتصل بأغراض الاتفاقية صراحة على إمكانية طلب آراء استشارية من المحكمة من طرف أي جهاز، أو هيئة يسمح لها الاتفاق الدولي بذلك .

ويتبين من مقتضيات المادة المذكورة أعلاه ، أن المحكمة الدولية لقانون البحار لا تتمتع بسلطة مطلقة في مجال مباشرتها للاختصاص الاستشاري ، وإنما بتوافر ثلاث شروط .

 أ . وجود اتفاق دولي ، وتكون الدولة المعنية بموجب هذا الاتفاق قد وافقت على منح المحكمة سلطة إصدار الاستشارة .

ب. أن يكون الجهاز أو القضية المعنية بالاستشارة صرح لها بذلك بموجب الاتفاق الدولي .

ج . أن تكون الاستشارة متعلقة بمسألة ذات طابع قانوني بحت .

 وتبقى الاستشارة أو الفتوى اسما على مسمى ، بمعنى أن الآراء التي تصدرها المحكمة غير ملزمة لطالبها ، وليس له إمكانية فرضها على الخصم في النزاع ، إلا أن هذا لا ينفي أن لها قيمتها المعنوية السياسية([20]).

ثالثا: الاختصاص باتخاذ تدابير مؤقتة والإفراج عن السفن وطاقمها:

نصت الاتفاقية على منازعات لا يشترط فيها موافقة المدعى عليه على اختصاص المحكمة ، وهذا اختصاص يتعلق بفرض تدابير مؤقتة والإفراج عن السفن وأفراد طاقمها .

أ . فرض تدابير مؤقتة :

تبدأ الإجراءات بتقديم طلب من الدولة المدعية إلى المحكمة ، وقد يصدر من المحكمة قرار ملزم للأطراف بما في ذلك الطرف الذي يرفض اختصاص المحكمة ، على أساس أن الاتفاقية منحت للمحكمة هذا الاختصاص والذي لا يمس بأصل الحق ، وإنما الغاية منه فرض تدابير مؤقتة للحفاظ على الحقوق الكاملة لأطراف لخصومة أو منع وقوع ضرر جسيم يلحق بالبيئة البحرية .

تتميز التدابير المؤقتة بطابعها الاستعجالي ، و الذي قد يستخلص من الظروف المحيطة بكل دعوى على حدة ، أو من طبيعة الحق المتنازع عليه([21]) .

فهي مجموعة من الإجراءات و التدابير التي تتخذ لحفظ حقوق كل طرف من أطراف النزاع ، أو لمنع إلحاق ضرر جسيم بالبيئة البحرية إلى أن يبحث النزاع بشكل موضوعي و يصدر حكم نهائي بشأنه .

 وقد تضمنت المادة 290 من الاتفاقية على الحالات التي تفرض فيها على المحكمة اتخاذ إجراءات التدابير المؤقتة وكيفية التعامل مع هذه الإجراءات و التي يمكن إجمالها فيما يلي :

 1 – يجوز لأي محكمة أحيل إليها نزاع ، و ترى بصورة مبدئية انها ذات اختصاص بموجب الجزء الحادي عشر أن تفرض أية تدابير مؤقتة تعتبرها في الظروف القائمة مناسبة لصون حقوق كل من أطراف النزاع أو لمنع إلحاق ضرر جدي بالبيئة البحرية بانتظار القرار النهائي .

2 – يجوز تعديل التدابير المؤقتة أو إلغاءها بمجرد تغير أو زوال أسباب وجودها .

3- لا يجوز أن تفرض أو تعدل أو تلغي هذه التدابير بمجرد تغير أو زوال الظروف التي تبررها ، إلا بناء على طلب الأطراف بعد الاستماع لهم من طرف المحكمة .

 ويلاحظ في هذا الصدد ، أنه على خلاف المادة 41 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية التي تسمح لهذه المحكمة بأن تقرر من تلقاء نفسها التدابير التحفظية التي يجب اتخاذها لحفظ حقوق الأطراف المتنازعة ، فإن المادتين 290 من الاتفاقية و 25 من النظام الأساسي للمحكمة الدولية لقانون البحار قد نحتا في هذا الصدد منحى مغايرا ، حيث لم يسمح للمحكمة بالأمر بتدابير تحفظية إلا بناء على طلب أحد الأطراف في النزاع على الأقل ، وبعد السماع لوجهة نظر بقية الأطراف ، كما أن المحكمة لا تستطيع تعديل، أو إلغاء التدابير المتخذة ، إلا وفقا للطريقة التي اتخذت بها ، أي بنفس الإجراءات السابقة([22]).

 وللمحكمة كل السلطة التقديرية في اتخاذ ما تراه مناسبا من إجراءات من حيث نوعيتها ، ومدى ملائمتها للظروف التي أدت لاتخاذها ، و لا تتقيد بطلبات الأطراف المتنازعة إلى جانب سلطتها في الاستغناء عن الإجراءات التي قامت بها متى استدعت الظروف ذلك .

 إلا أن الأمر يتغير بالنسبة للنزاعات المتعلقة بالأنشطة في المنطقة الدولية ، فإن المحكمة أو غرفة منازعات قاع البحار تكونا في غنى عن انتظار طلب القيام بإجراءات

التدابير المؤقتة من طرف أطراف الخصومة ، بل لها الحق أن تفرض تدابير مؤقتة أو تعدلها أو تلغيها إذا رأت بصورة مبدئية أن المحكمة التي ستشكل للبت في النزاع ذات اختصاص من جهة، ومن جهة أخرى أن الصفة العاجلة للحالة تتطلب ذلك .

 ومن تحصيل الحاصل القول ، بأن للمحكمة التي أحيل إليها النزاع – باعتبارها تنظر في أصل الحق ، وبمجرد تشكيلها – أن تتخذ ما تراه من إجراءات فيما يخص التدابير المؤقتة التي سبقت وجودها لأنها غير ملزمة لها ، فلها حق التصرف بشأن الإبقاء عليها أو تلغيها أو تعدلها ، وليس على أطراف الخصومة سوى الامتثال الفوري لما تقرره المحكمة ، إلا أنها لا يجب أن تصل إلى الحد الذي من شأنه أن يؤدي إلى الإضرار بحقوق ومراكز أطراف النزاع ، و إلا ” كان اهداراً للغرض و الحكمة التي من أجلها تم إقرار نظام التدابير التحفظية”.

وهكذا يتبين من خلال نصوص الاتفاقية ، ولائحة المحكمة ، بضرورة استثناء مجموعة من الشروط اللازمة لفرض التدابير المؤقتة ، والتي يجب على المحكمة الدولية لقانون البحار أن تبحث مدى توافرها قبل أن تصدر الأمر ، والمتمثلة في الاستعجال والاختصاص ، والمحافظة على حقوق أطراف النزاع ، أو المحافظة على البيئة البحرية .

 وقد وضعت تلك الشروط للحد من اللجوء إلى المحكمة بطلب فرض تدابير مؤقتة بدون مبرر”([23])

 ب. الاختصاص بالإفراج عن السفن وطاقمها :

 منحت المادة 292 من الاتفاقية للمحكمة حق النظر في مسألة الإفراج السريع عن السفن وطاقمها ، وذلك عند عدم التوصل إلى اتفاق حول المحكمة التي ستنظر في هذا النزاع ، وعند عدم قيام الدولة المحتجزة بتحديد هذه المحكمة من بين المحاكم التي عددتها المادة 287 ، وتتسم مقتضيات المادة 292 ، بالإلزامية بالنسبة للدول الأطراف في الاتفاقية ، ولا تستبعد إلا بموجب اتفاق .

 وبناء على ذلك ، إذا احتجزت سلطات دولة طرف ، سفينة ترفع علم دولة طرف أخرى ، ويزعم أن الدولة المحتجزة لم تمتثل لأحكام الاتفاقية من أجل الإفراج الفوري عن السفينة أو أفراد طاقمها عند تقديم كفالة معقولة أو ضمان مالي آخر ، جاز أن تحال مسألة الإفراج من الحجز إلى أي محكمة تتفق عليها الأطراف ، أو في حال عدم اتفاقهم وفي غضون عشرة أيام من الاحتجاز ، تحال إلى المحكمة التي تختارها الدولة المحتجزة من بين المحاكم التي عددتها المادة 287 من الاتفاقية إذا امتنعت الدولة المحتجزة عن الاختيار ما لم تتفق الأطراف على غير ذلك .

بمعنى أن امتناع الدولة المحتجزة عن اختيار محكمة من المحاكم المذكورة في المادة 287 ، يجعل من حق الدولة صاحبة العلم اللجوء إلى المحكمة الدولية لقانون البحار بعد مرور عشرة أيام على احتجاز السفينة .

 وهذه الفترة تتعلق باختصاص المحكمة ، وليس لها علاقة بقبول الدعوى أو الطلبات الأخرى للخصوم([24]). والمحكمة هي التي تختص بتقدير مدى اختصاصها ، وذلك عند نشوء نزاع يتعلق بولايتها ، وتطبق المحكمة القواعد التي تضمنتها الاتفاقية ، بالإضافة إلى قواعد القانون الدولي الأخرى غير المتنافية مع هذه الاتفاقية ، مع إمكانية البت في النزاع استنادا لمبادئ العدل والإنصاف إذا اتفق الأطراف على ذلك .

ويمكن ملاحظة التعارض و اللبس بين المادة 292 ، الخاصة بالإفراج عن السفن و طواقمها و المادة 295 ، المتعلقة بضرورة استنفاذ طرق الطعن الداخلية قبل إحالة النزاع إلى إحدى الوسائل و الإجراءات الواردة في الاتفاقية ، لأن طرق الطعن الداخلية تختلف من بلد لآخر ، وبالتالي فإن مسألة اختلاف الفترات الزمنية التي تستغرقها إجراءات التقاضي من دولة إلى أخرى ثابتة و أكيدة ، نتيجة هذا الاختلاف في اجراءات طرق الطعن ومواعيده ، الأمر الذي لا يتوافق معه التمسك بتطبيق المادة 295 في حالة احتجاز السفن و ملاحيها

خاتمة

من خلال دراسة المحكمة الدولية لقانون البحار، يتضح أن هذه المحكمة تعد آلية قضائية دولية فعالة لتسوية المنازعات البحرية. وقد برزت أهمية هذه المحكمة في ظل التطورات المتسارعة في مجال قانون البحار والأنشطة البحرية الدولية.

النتائج:

1. المحكمة الدولية لقانون البحار هي جهاز قضائي دولي مستقل، تم إنشاؤها بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وتتمتع بالشخصية القانونية الدولية.

2. تتمتع المحكمة باختصاصات قضائية واستشارية واسعة، تشمل الفصل في المنازعات المتعلقة بتفسير أو تطبيق اتفاقية قانون البحار، وإبداء الآراء الاستشارية في المسائل القانونية المتصلة بأهداف الاتفاقية.

3. تتكون المحكمة من 21 قاضيًا يتمتعون بالشهرة والكفاءة في مجال قانون البحار، ويتم انتخابهم لفترة تسع سنوات قابلة للتجديد.

4. للمحكمة غرف متخصصة لنظر أنواع محددة من المنازعات البحرية، كغرفة مصائد الأسماك وغرفة منازعات البيئة البحرية وغرفة منازعات قاع البحار.

التوصيات:

1. ضرورة تعزيز دور المحكمة الدولية لقانون البحار في تسوية المنازعات البحرية، وتشجيع الدول على الاعتراف باختصاصها والالتزام بأحكامها.

2. العمل على إزالة أي تعارض أو لبس بين نصوص اتفاقية قانون البحار فيما يتعلق باختصاصات المحكمة، كالتعارض بين المادة 292 والمادة 295 بشأن الإفراج عن السفن وطواقمها.

3. تعزيز التعاون بين المحكمة الدولية لقانون البحار والمنظمات الدولية ذات الصلة، كمنظمة الأمم المتحدة والسلطة الدولية لقاع البحار، لتحقيق التنسيق والتكامل في تسوية المنازعات البحرية.

4. دعم البحث العلمي والدراسات القانونية المتعلقة بالمحكمة الدولية لقانون البحار، لتعزيز الفهم والوعي بدورها وآليات عملها.

قائمة المصادر والمراجع

الكتب

  1. بسام محمد أحمد . تسوية المنازعات البحرية وفق القانون الدولي . مرجع سابق 2008.
  2. عبد القادر محمود محمد محمود . النظام القانوني للمنطقة الدولية في ضوء اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 ، ، دار النهضة العربية ، 2008 .
  3. محمد صافي يوسف, تسوية المنازعات الدولية الطبعة الثانية, مكتبة المتنبي ,2020.
  4. أحمد حسن الرشيد، الوظيفة الإفتائية لمحكمة العدل الدولية ودورها في تفسير وتطوير سلطات واختصاصات الأجهزة السياسية للأمم المتحدة . الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 1993.
  5.  أحمد بلقاسم ، القضاء الدولي ، دار هومة الجزائر، 2014.
  6. ناتالي كلاين. تسوية المنازعات في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. مطبعة جامعة كامبريدج 2005.

البحوث

  1. صونيا شراد  أحكام إختصاص المحكمة الدولية لقانون البحار ، مجلة الفكر ، العدد التاسع ، كلية الحقوق ، جامعة محمد خيضر ، بسكرة ، ماي 2013.
  2. نويس جون إي ، المحكمة الدولية لقانون البحار ، مجلة كورنيل للقانون الدولي ، المجلد 32 ، 1999 .
  3. شراد صوفيا . أحكام اختصاص المحكمة الدولية لقانون البحار . مجلة الفكر . كلية الحقوق والعلوم السياسية . جامعة محمد خيضر بسكرة . 2013.
  4. عبد العزيز مخيمر، قضية لوكربي أمام محكمة العدل الدولية . مجلة الحقوق . السنة 18 العدد الأول . مارس 1994 .

المواثيق الدولية

  1. اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
  2. النظام الأساسي للمحكمة الدولية لقانون البحار

التقارير الدولية

1-تقرير الأمين العام للأمم المتحدة المقدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، الدورة التاسعة والخمسون، رمز الوثيقة: A/59/62 منشور على الرابط، تقرير الجمعية العامة للأمم المتحدة، المحيطات وقانون البحار http://www.un.org/arabic/documents/GADocs/56/A_56_58.pdf


([1]) تم إنشاء المحكمة الدولية لقانون البحار بموجب أحكام المادة (287/1/(أ)) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.

([2]) المادة الأولى من المرفق السادس من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.

([3]) تقرير الأمين العام للأمم المتحدة المقدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، الدورة التاسعة والخمسون، رمز الوثيقة: A/59/62 منشور على الرابط، تقرير الجمعية العامة للأمم المتحدة، المحيطات وقانون البحار http://www.un.org/arabic/documents/GADocs/56/A_56_58.pdf

([4]) المادة 2 . 1 من النظام الأساسي للمحكمة

([5]) المادة 5 فقرة 1 من النظام الأساسي للمحكمة .

([6]) المادة 19 من نظام المحكمة .

([7]) صونيا شراد  أحكام إختصاص المحكمة الدولية لقانون البحار ، مجلة الفكر ، العدد التاسع ، كلية الحقوق ، جامعة محمد خيضر ، بسكرة ، ماي 2013 ،. ص 169 .

([8]) نويس جون إي ، المحكمة الدولية لقانون البحار ، مجلة كورنيل للقانون الدولي ، المجلد 32 ، 1999 ، ص 119.

([9]) شراد صوفيا . أحكام اختصاص المحكمة الدولية لقانون البحار . مجلة الفكر . كلية الحقوق والعلوم السياسية . جامعة محمد خيضر بسكرة . 2013 ص 156 .

([10]) بسام محمد أحمد . تسوية المنازعات البحرية وفق القانون الدولي . مرجع سابق 2008. ص 297 .

([11]) عبد القادر محمود محمد محمود . النظام القانوني للمنطقة الدولية في ضوء اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982 ، ، دار النهضة العربية ، 2008 ، ، ص 112 .

([12]) محمد صافي يوسف, تسوية المنازعات الدولية الطبعة الثانية, مكتبة المتنبي ,2020. ص121

([13]) محمد صافي يوسف, تسوية المنازعات الدولية الطبعة الثانية, مرجع سابق، ص125.

([14])  أحمد حسن الرشيد، الوظيفة الإفتائية لمحكمة العدل الدولية ودورها في تفسير وتطوير سلطات واختصاصات الأجهزة السياسية للأمم المتحدة . الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 1993 ، ص 79 .

([15]) المادة 305 . 1 من الاتفاقية الجديدة لقانون البحار ، ( ج إلى 1 ) .

([16]) محمد صافي يوسف، مرجع سابق، ص 165 .

([17]) المادة 7 من المرفق التاسع من الإتفاقية .

([18]) أنظر المادة 293 من الاتفاقية .

([19]) محمد صافي يوسف . مرجع سابق . ص 192.

([20]) أحمد بلقاسم ، القضاء الدولي ، دار هومة الجزائر، 2014 ، ص 99

([21]) عبد العزيز مخيمر، قضية لوكربي أمام محكمة العدل الدولية . مجلة الحقوق . السنة 18 العدد الأول . مارس 1994 . ص 39

([22]) أحمد بلقاسم ، القضاء الدولي، مرجع سابق، 2014، ص 99

([23]) ناتالي كلاين. تسوية المنازعات في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. مطبعة جامعة كامبريدج 2005. ص 59-60 .

([24]) المادة 287 من الاتفاقية الجديدة لقانون البحار .